أعظم خلاف بين الأمة خلافها على الإمامة../ بدي ولد أبنو

"وأعظمُ خلافٍ بين الأمّة خلافُها على الإمامة [أي على السلطة السياسية] إذْ ما سُلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان". (الشهرستاني، الملل والنحل، ج.1، ص. 31)
ـ3ـ
(...) ويكفي للتدليل على هذا الموقف الحذر تجاه السلطة السياسية لدى عدد من العلماء القدماء التذكير بمواقف أئمة المدارس الفقهية الأربعة : كما يبينها مثال رفضُ أبي حنيفة لتعيينه قاضي الكوفة في عهد الخليفة الأموي يزيد ابن الوليد أو لمنصب قاضي بغداد في عهد الخليفة العباسي المنصور. بل إصرار هذا الفقيه بحسب الرواة على رفض المناصب التي عُرضتْ عليه رغم السجن والقمع الذين تعرض لهما لإرغامه على قبولها أو قبول بعضها (أبو زهرة ، أبو حنيفة حياته وعصره ـ آراؤه وفقهه، ص. 35ـ59). بل تذهب بعض الروايات إلى أنه قٌتل مسموما أو سجينا بسبب مثل هذه المواقف (هذا طبعا بغض النظر عن تبني العباسيين لاحقا في عهد الرشيد للمذهب الحنفي). وتُنسب لمالك ابن أنس مواقف شبيهة بعد سجْنه خلال حكم الخليفة العباسي المنصور ثم رفْضه اقتراحَ الأخير بأن يُصبحَ عالمُ المدينة ما يمكن أن نسميه المحدِّثَ والفقيه الرسمي والحصري للدولة العباسية عبر رفضه مشروع اعتماد مؤلفه المستقبلي في الحديث ـ أي الموطأ الذي ألفه مالك بعد هذه الحادثة ـ رسميا كالمرجع الوحيد المسموح به في الأحاديث النبوية. وهناك روايات ذات دلالة شبيهة عن رفض الشافعي لهدايا قدمها له هارون الرشيد (الغزالي، مقامات العلماء عند الخلفاء والأمراء، ص43 ؛ عطية رزق، العلم والعلماء في عصور الخلفاء، ص. 123) أما موقف ابن حنبل خلال ما عرف بمحنة خلق القرآن فهو أكثر من مشهور.
ـ4ـ
الروايات المتعدّدة بهذا الخصوص مهمة ظاهراتيا لما تكْشفه وتصدرُ عنه أكثر من أهمية فحص حقيقتها التاريخية بما الأخيرة كذلك. وأهميتُها هنا تصدر أساسا عما تُعبّر عنه داخل الذاكرة الكتابية الجماعية ـ وليس ضرورةً داخل التاريخ بالمعنى الحصري ـ التي احتفظتْ واحتفتْ بها. يمكن أن يقال عن هؤلاء كما تصفهم الذاكرة الجماعية إنهم لم يقبلوا أن يكونوا جزءا من سلطة المعارضة عكسا لعلماء الفرق المذهبية السياسية ولم يقبلوا أن يكونوا جزءا من الجهاز الدعائي لسلطة الحكم القائم عكسا لعلماء البلاط وظلوا نسبيا سلطة أدبية لا تتمتع بجهاز مؤسسي متعين. فاعتراف المجتمع التدريجي بمكانتهم العلمية ومن ثم بمكانتهم الاعتبارية هو ما به أساسا تَكرّستْ سلطتُهم الأخلاقية. بل يمكن أن نقول إن المجتمع انتصر ذاكراتيا لهم عبر تركيز الاهتمام على مدارسهم الخاصة وآرائهم الفقهية وعزوفه عن كثيرين غيرهم ممن كانوا يتمتعون بشرعية السلطة القائمة أو البديلة. ويكفي تمثيلا هنا أن نقارن بين المكانة التي مازال يتمتع بها فقيه كأحمد بن حنبل والإعدام الرمزي الذي تعرَّضَ له قاض مثلا بمستوى يحيى ابن أكثم الذي تكاد لا تستدعيه الذاكرة الجماعية إلا بخصوص الروايات غير الجادة التي تهتم بنمط حياة المأمون بن هارون الرشيد


 

 

آخر تحديث: 22-03-2018 | 22:15
شارك

حرره

عبد الله الخليل

قسم تحرير الأخبار وصناعة المحتوى

فيديو الأسبوع