فتاوى عن الدَّيْن/ محمد الأمين ولد الشيخ مزيد

الحمد  لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين ورضي الله عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فهل يمكن أن نقرر أن لا نستدين من أجل الكماليات؟  ولا من أجل الترفيه ؟  ولا من أجل رغبات نفس لا تشبع ؟ هل يمكن أن نلتزم الاقتصاد في الإنفاق فلا نسرف ولا نقتر ؟  هل يمكن أن ننتصر على الإغراءات وعلى الثقافة الاستهلاكية الشائعة في هذا العصر التي تجعلنا ننفق أكثر مما نكسب ؟
هل يمكن أن نعيش بدون ديون ؟ هل يمكن أن نصحح نظرتنا إلى الدَّين  فندرك خطر الدَّين وأن الشهيد يغفر له كل ذنب إلا الدين ؟
من هنا نبدأ فنقول وبالله التوفيق.
ما خطر الدين ؟
1. بين النبي صلى الله عليه وسلم ما في الدين من خطر جسيم فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الدين كما يستعيذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المسيح الدجال ومن فتنة المحيا والممات وكما يستعيذ بالله من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجب لها.
2. وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة ويقول : " اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم فقال له قائل ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المغرم قال : إن الرجل إذا غَرِم حدَّث فكذب ووعد فأخلف ."
فالدَّين يجر إلى هذه الرذائل الأخلاقية  الكذبِ في الحديث وإخلافِ الوعد , والمسلم لا ينبغي أن يتسبَّب فيما يجُره إلى هذه المنكرات .
3. كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أكثر الناس رحمة ورقة وشفقة يسأل إذا جيء بالمتوفي ليصلى عليه : هل ترك لدينه قضاء ؟ فإن حُدِّث أنه ترك وفاءً صلَّى عليه وإلا قال : " صلوا على صاحبكم . " وهل أبلغ في بيان خطر الدين والتحذير من الدين من هذه الجملة ؟
4. وعن عبد الله بن عمرو رضي  الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يُغفَر للشهيد كلُّ ذنب إلا الدين . " رواه مسلم فمع أن الشهيد لا يغسَّل ولا يصلَّى عليه ، فحسبُه ما يُكْرم الله عز وجل به الشهداءَ ،فإن الدينَ حقٌّ للعباد يجب أداؤه إليهم على كل حال ،ولا تُكفِّره الشهادة مع أنها تكفر بقية الذنوب .
ما حكم المطل؟
الدَّينُ أمانة يجب أداؤها إلى أهلها ولذلك قال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باب أداء الديون واستدل بقول الله عز وجل (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها .)
ولذلك قال عمر رضي الله عنه عن الأسيفع أسيفع جهينة : " رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبَقَ الحاجَّ . "
ولذلك فإن المطلَ ظلمٌ محرم ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مطل الغني ظلم . " والراجح أن المصدر مضاف إلى فاعله .والمراد بالغني هنا : من لديه ما يقضي به الدين وقال بعض العلماء إن المصدر مضاف إلى مفعوله والمعنى – على هذا – أن الدائن إذا كان غنيا فمطله ظلم محرم فأحرى إذا كان فقيرا .
والمطل –وهو محرم – يُعرِّض صاحبه للعقوبة الدنيوية فعن عمرو بن الشريد عن أبيه رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليُّ الواجد يُحِلُّ عرضه وعقوبته . "رواه أبوداود والنسائي وصححه ابن حبان . ومعنى لي الواجد : مطل الغني .
ما حكم استدانة العاجز عن السداد ؟وما حكم الاستدانة مع نية المطل ؟
ذكر ابن حجر الهيتمي في كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر )كبيرتين تتعلقان بالدين :
1. أن يستدين ناويا للمطل وعدم الأداء .
2. وأن يستدين وهو لا يرجو ما يقضي به الدين .
وقد نظم ذلك محمد مولود بن أحمد فال فقال في نظم (الصُّربه) وهو يصف سلوك المتساهلين في أمر الديون
يدَّان غيرَ مرْتَجٍ لشيِّ     يقضي به أو ناويا للَّيِّ
وكلا الامْرَيْنِ من الكبائر     كما به قد صرح ابن حجر
ويدل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ."
وإرادة الأداء لا بد أن تكون مبنية على مقدمات سليمة فإذا استدان الموظف بأضعاف راتبه فهل يمكن أن يقول إنه يريد أن يؤدي إلى الناس أموالهم ؟ أما إرادة الإتلاف فإن جزاء صاحبها من جنس عمله .
تصدق المدين 
يقول محمد مولود بن أحمد فال 

والمتسارع إلى التصدق     ومسلم يطلبه بدانق
فهو ممن قاده هواه      وصد عما يرتضي مولاه
لوكان طالبا رضاه قدما     ما أمر الخالق أن يقدما 
ما حكم بيع مال المفلس لقضاء دينه ؟
يجوز بيع مال المفلس لقضاء دينه عند جمهور العلماء فقد روى مالك في الموطإ عن عمرو بن عبد الرحمن بن دِلاف المزني عن أبيه أن رجلا من جهينة كان يسبق الحاج فأفلس فرُفِعَ أمره إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : " أما بعد أيها الناس فإن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاجَّ ألا وإنه قد دان مُعْرِضا فأصبح قد رِينَ به فمن كان له عليه دين فليأتنا بالغداة نقسم ماله بينهم وإياكم والدينَ فإن أولَه همٌّ وآخرَه حرَبٌ
فهذا عمر بن الخطاب الخليفة الراشد رضي الله عنه يبيع أموال الأسيفع ويقسمها بين أهل الدين . وعمر رضي الله عنه يلخِّص سبب الورطة التي وقع فيها الأسيفع بقوله : "رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاج ."
وكثيرون يتورطون في الديون ليحوزوا ألقابا يعتقدون أن حيازتها –ولو بالدَّين- تعطيهم مكانة وسمعة وشرفا .
هل أمر الله بتوثيق الدين ؟
تضمنت آية الدين في آخر سورة البقرة : الأمر بكتابة الدين ،وأن تكون الكتابة بالعدل ، ودعوة من علَّمه الله الكتابة إلى أن يشكر هذه النعمة وأن لا يمتنع من الكتابة ، وأن يتولى الإملاءَ الجانبُ الأضعف –وهو الذي عليه الحق – وأن يلتزم المُمْلِي بمقتضيات التقوى فلا ينقص شيئا من حق صاحب الحق . وتضمنت الآية الأمر بإشهاد شاهدين مرضيين من الرجال أو شاهد وامرأتين ، وتضمنت  نهي الشهداء عن الامتناع عن تحمل الشهادة أوأدائها ، والتأكيد على كتابة الدين صغيرا كان أو كبيرا ، وعدم السأم من ذلك قال الله عز وجل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ  وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ  وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا  ) الآية
من الأدعية النبوية
اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته  اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر . رواه مسلم
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك

آخر تحديث: 13-01-2021 | 12:07

حرره

عبد الله الخليل

قسم تحرير الأخبار وصناعة المحتوى

فيديو الأسبوع